تسجيل دخول

الانتخابات الإثيوبية.. قراءة في المشهد

مميز الانتخابات الإثيوبية.. قراءة في المشهد
الكاتب :محمد أحمد سفر (باحث في شؤون القرن الأفريقي)  والمصدر : العربي 21 
فاز حزب الإزدهار في الانتخابات البرلمانية الإثيوبية التي أجريت في 21 حزيران/ يونيو الماضي؛ ففي الإعلان الأولي للنتائج فاز الحزب بـ410 مقاعد في 436 دائرة جرى فيها الاقتراع من أصل 547 دائرة هي جملة مقاعد البرلمان، ويشكل هذا الفوز نسبة 94 في المائة من االدوائر التي تم فيها الفرز، و75 في المائة من المقاعد الكلية، وبذلك يكون الحزب قد حقق العدد المطلوب لتشكيل الحكومة وهو 274 مقعداً (50+1) التي تمكنه من تشكيل الحكومة.

ولاستشراف المرحلة المقبلة سنحاول التعرف على أهم الفاعلين في الداخل الإثيوبي، وتأثيرهم محلياً وإقليميا.

مجريات الأحداث قبل الانتخابات

شهدت إثيوبيا خلال الأعوام الثلاثة الماضية (نيسان/ أبريل 2018 - حزيران/ يونيو 2021)، أي من تاريخ وصول آبي أحمد لرئاسة الوزراء وحتى عقد الانتخابات السادسة في حزيران/ يونيو الماضي، تحولات سياسية عميقة كان لها الأثر في داخل إثيوبيا والقرن الأفريقي. فبوصول آبي أحمد علي إلى رأس هرم السلطة شهدت إثيوبيا حالة من التحولات السياسية؛ فقد اتجه آبي أحمد إلى المصالحة مع المعارضة في الداخل والخارج بعد أحداث العنف التي أعقبت انتخابات 2005م، واحتجاجات 2011م الرافضة لتدخل الدولة في شؤون المسلمين الدينية بجلب جماعة الأحباش، ورفض قانون الأراضي الذي اعتبره الأورومو وسيلة للاستيلاء على أراضيهم حول العاصمة أديس أبابا، ثم تصاعدت الاحتجاجات بوتيرة أعنف بعد إانتخابات عام 2015م، واستمرت حتى نيسان/ أبريل 2018م عندما أجبرت الاحتجاجات رئيس الوزراء السابق هَيْلِي مارْيامْ دَسْآلينْ على تقديم استقالته في شباط/ فبراير 2018م، فاختار الائتلاف الحاكم آبي أحمد علي رئيساً له في 27 آذار/ مارس 2018م، ليتم الإعلان في الثاني من نيسان/ أبريل 2018م عن تولي آبي أحمد رئاسة الوزراء.

إصلاحات آبي أحمد

تحرك آبي أحمد داخليا لإجراء مصالحة وطنية، فبادر بإطلاق سراح السجناء السياسيين، وسمح للأحزاب السياسية بممارسة نشاطها، ورفع حالة الطوارئ، وأصدر عفواً عاماً عن المعارضين السياسيين في الخارج (1)، وقام بزيارة كل الأقاليم، وعمل على تخفيف التوترات العرقية(2) ، وَأتْبع ذلك تحرك خارجي مع دول الجوار والإقليم.

وفي الخامس من حزيران/ يونيو 2018م اتخذ الائتلاف الحاكم في إثيوبيا قراراً بتطبيق اتفاق الجزائر، القاضي بترسيم الحدود كبادرة حسن نوايا من إثيوبيا تجاه إرتريا،  وبعد شهر من هذا القرار قام آبي أحمد بزيارة إرتريا (3) وتوقيع اتفاق بتسوية النزاع الحدودي في التاسع من تموز/ يوليو 2018م، منهيا بذلك حالة الجمود في العلاقات بين البلدين استمر لأكثر من عقدين، ليتحرك آبي أحمد بعد ذلك نحو الصومال لإنهاء الخلافات الإرترية مع الصومال من أجل تأهيل إرتريا دوليا بعد عقوبات فرضتها عليها الأمم المتحدة.

لم يرق هذا التحرك في المسارين الداخلي والخارجي لجبهة تحرير شعب تيجراي واعتبرته مناوئاً لها، خاصة المصالحة مع المعارضة التي نكلت بها، وكذلك إنهاء الخلاف مع إرتريا حيث الرئيس الإرتري عدوها اللدود، فبدأت في وضع المعوقات أمامه ومحاولة السيطرة على أهم وحدات قوات الدفاع الإثيوبية وهي القيادة الشمالية، ليؤدي كل ذلك إلى حتمية المواجهة بين الطرفين في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2020م.

مستقبل الفيدرالية الإثنية في إثيوبيا

عَرَفَت إثيوبيا في تاريخها الحديث ثلاثة أنظمة حكم: ملكية ويسارية وفيدرالية إثنية تهيمن عليها أقلية متحالفة مع أقليات ضد أكثرية ترتبط معها في ائتلاف حاكم، وكلها لم تنجح في توحيد البلاد والحفاظ على تماسكها، ولا تزال تبحث عن الاستقرار الأمني إلى اليوم.

انتهج آبي أحمد في الفترة الأولى من حكمه سياسة تصفير المشاكل داخليا وخارجيا، غير أنه وبعد مضي عامين من هذه الفترة طفحت المشاكل من جديد، فبرزت اتجاهات سياسية مختلفة تتصارع في الساحة السياسية، ولكل منها رؤيتها في شكل الدولة والحكم، وفي ما يأتي أبرز هذه الاتجاهات:

1- التيار الوحدوي الشمولي: الذي يعرف محليا بـ"مدمر"، أي التجمع بحسب فلسفة آبي أحمد، وملخصها تهدف إلى إعادة دمج المكونات الإثنية الإثيوبية من أجل بناء الدولة المركزية التي يتم فيها صهر وتذويب الاختلافات القومية والثقافية مرة أخرى في هيكل تنظيمي مركزي واحد. وتقوم على حزب اتحادي (4)  تحت مسمى حزب الازدهار (Prosperity Party) ومستوعبا بقية الأحزاب التي لم تكن جزءاً منه، والإبقاء على الفيدرالية الإثنية على مستوى الأقاليم ولو في هذه الفترة.

2- التيار الفيدرالي: الذي يدعو للحفاظ على النظام الفيدرالي الإثني القائم حاليا باعتباره أحد المكتسبات التاريخية بعد إسقاط نظام منجستو في منتصف عام 1991م. ويقود هذا التيار مع بعض الاختلافات بينه وبين من معه في هذا الاتجاه في بعض الجزئيات؛ جبهة تحرير شعب تيجراي (T.P.L.F) التي أزيحت عن الحكم مؤخرا، لتعود من جديد عبر قوة السلاح.

3- ائتلاف الأحزاب التي تعتقد أن إثيوبيا لا ينبغي أن يكون لها مناطق عرقية على الاطلاق (كحزب المواطنون الإثيوبيون من أجل العدالة الاجتماعية-  EZEMA). وتَعْتَبِر هذه الأحزاب أن النظام الفيدرالي القائم على الأعراق عمق الانقسامات العرقية، وأوجد مشاكل بنيوية تهدد وجود إثيوبيا ووحدتها. يرأس الائتلاف برهانو نيقا، رئيس حركة قمبوت سبات (السابع من مايو)، وفاز باربعة مقاعد في الانتخابات ولن يكون له دور مؤثر في المرحلة المقبلة.

4- التيار الأورومي المطالب بتصدُّر قومية أورومو المشهد السياسي في إثيوبيا انطلاقاً من موقعها الجغرافي، حيث تهيمن على ثلثي مساحة إثيوبيا، وتفوقها الديمغرافي لكونها أكبر إثنية في البلاد. وتتزعم هذا الاتجاه جبهة تحرير أورومو، وجبهة تحرير أورومو الديمقراطية، وحزب المؤتمر الفيدرالي الأورومي. وهذه الأحزاب من إقليم أورومو قاطعت الانتخابات، مع أنها تتمتع بتأييد شعبي واسع.

وزن المعارضة في المرحلة المقبلة

- الصراع بين جبهة تحرير شعب تيجراي (T.P.L.F) والحكومة الفيدرالية قد يذهب بالجبهة إلى بحث خيارات وبدائل أخرى، ربما قد تصل لخيار الإنفصال الذى قد يقوض وحدة البلاد، وقد تكون لديها خيارات مثل الاستمرار في حربها الجارية الآن؛ وسيكون هذا الخيار هو السائد خلال المرحلة المقبلة من أجل استنزاف مختلف القدرات.

- جبهة تحرير أورومو (O.L.F): قاطعت الانتخابات.

- الجبهة الوطنية لتحرير أُوغادين (0.N.L.F): أُجِّلت الانتخابات في إقليم الصومال الإثيوبي؛ وستجرى في شهر أيلول/ سبتمبر المقبل، ويتوقع أن يفوز بمقاعدها مرشحون تحت مظلة حزب الازدهار.

- حركة تحرير شعب بني شنقول من أجل السلام والحرية: لم تحقق أي فوز في الدوائر التي جرى فيها الاقتراع.

- مجلس أغاو الوطني: لم يفز بأي مقعد.

- جبهة تحرير سيداما (S.L.F): لم تفز بأي مقعد من المقاعد 19 الخاصة بإقليم سيداما، وقد فاز بها جمعها حزب الازدهار..

- جبهة تحرير شعب جامبيلا: لم تفز بأي مقعد.

- حزب تحرير العفر الشعبي: لم يفز بأي مقعد من المقاعد الستة التي أعلنت.

- الائتلاف المعارض لم يحقق أي نجاح في الانتخابات مما يغيب دوره في المرحلة المقبلة، وكذلك الأمر للمعارضة المتحالفة في العاصمة أديس أبابا، فقد فاز حزب الازدهار بـ22 مقعدا من مقاعدها الـ23.

جوهر محمد ودوره المحتمل:

جوهر محمد، الناشط السياسي الأورومي المعروف والحليف السابق لآبي أحمد، يرى أن عملية الانصهار في حزب وطني واحد خطيرة جدا وتؤدي إلى مركزة الحكم، ومن ثم ضياع حقوق قومية أوروميا التي كانت وراء التحول الجديد في إثيوبيا، لذلك أعلن انضمامه إلى حزب المؤتمر الفيدرالي الأورومي (O.F.C) الذي يرأسه ماريرا جودينا.

التحديات والمخاطر

التحدي الأكبر لهذا التحول الجديد وخلال الحقبة القادمة هو إمكانية بناء نظام حكم يرتضيه الجميع ويحقق استقرارا للبلاد؛ وهناك أربعة مخاطر تهدد الاستقرار في البلاد:

1- التقاطع مع أوروميا، حيث يتعين على رئيس الوزراء بذل المزيد من الجهد لتعزيز مصالح المنطقة.

2- تحريض قادة أورومو ضد قادة أمهرا، والذين هم على خلاف حول محاولة أوروميا للحصول على نفوذ أكبر بما في ذلك في العاصمة التي تعد متعددة الأعراق.

3- النزاع المرير بين سياسيي أمهرا وتيجراي الذي تطور إلى حرب عرقية، مما يجعلها صراعا دائما يعيق البلاد من التقدم نحو الأمام.

4- قادة تيجراي وحكومة آبي أحمد لن يركن أحدهما للآخر، وسيعمل كل واحدٍ منهما للإطاحة بالآخر مما سيدخل البلاد في صراع مستمر.

وعليه، فإن ما سيحدث في الفترة المقبلة وبشكل أكثر تحديداً خلال دورة حكم آبي أحمد المقبلة سيقرر مستقبل النظام الفيدرالي القائم على الإثنية.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي "موقع مقديشو الإخباري"

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة